ابن المقفع

309

آثار ابن المقفع

انظر من صاحبت من الناس من ذي فضل عليك بسلطان ومنزلة ومن دون ذلك من الخلصاء والاكفاء والاخوان فوّطن نفسك في صحبته على أن تقبل منه العفو وتسخو نفسك عما اعتاص عليك مما قبله غير معاتب ولا مستبطئ ولا مستزيد ، فان المعاتبة مقطعة للود وان الاستزادة من الجشع وان الرضى بالعفو والمسامحة في الخلق مقرب لك كل ما تتوق اليه نفسك مع بقاء العرض والمودة والمروءة . اعلم انك ستبتلي من أقوام بسفه وان سفه السفيه سيطلع لك منه حقدا . . فان عارضته أو كافأته بالسفه فكأنك قد رضيت ما أتى به فاجتنب ان تحتذي مثاله ، فإن كان ذلك عندك مذموما فحقق ذمك إياه بترك معارضته فأما ان تذمه وتمتثله فليس ذلك لك سدادا . لا تصاحبن أحدا وان استأنست به أخا قرابة أو أخا مودة ولا والدا ولا ولدا الا بمروءة فان كثيرا من أهل المروءة قد يحملهم الاسترسال أو التبذل على أن يصحبوا كثيرا من الخلصاء بالادلال والتهاون ، ومن فقد من صاحبه صحبة المروءة ووقارها احدث ذلك له في قلبه رقة شأن وخفة منزلة . لا تلتمس غلبة صاحبك والظفر عليه بكل كلمة ورأي ولا تجترئن على تقريعه وتبكيته بظفرك إذا استبان وحجتك إذا وضحت ، فان أقواما قد يحملهم حب الغلبة وسفه الرأي في ذلك على أن يتعقبوا الكلمة بعد ما تنسى فيلتمسوا فيها الحجة ثم يستطيلوا بها على الأصحاب وذلك ضعف في العقل ولؤم في الأخلاق . لا يعجبنك اكرام من يكرمك لمنزلة أو سلطان فان السلطان أوشك أمور الدنيا زوالا ، ولا يعجبنك اكرامهم إياك للنسب فان الانساب أقل مناقب الخير غناء عن أهلها في الدين والدنيا ولكن إذا أكرمت على دين أو مروءة فذلك فليعجبك فان المروءة لا تزايلك في الدنيا والدين